20‏/06‏/2016

الفصل 12 - إيزيس في المنزل

 "مفاجئة غير متوقعة اليس كذلك؟" قالت إيزيس ضاحكة وهي تتقدّم بسرعة الى غرفة الطعام ..
" أوه .. انا آسفة لحماقتي .. لم أحسب ان لديكم زوّار" ثم رمقت آصف بنظرة ثاقبة وكانها تعلمه انها تعلم من هو...
" انتِ دائما في بيتك مولاتي ايزيس" نهض اينيريت مسرعا لاستقبال ايزيس الاستقبال الذي يليق بها ثم وجه حديثه الى ضيفيه : " مولاتي ايزيس ابنة مولاي آمون الهة الحب والجمال والخير .. صديقة الفقراء والفنانين والشعراء ... وصديقة ابنتي سامييا ... الحميمة" ثم وجّه حديثه الى ايزيس " مولاتي الغالية ... اقدّم لكِ السيدين آصف وآدم من بلاد الشام وقد جاءا لدراسة امكانيات التجارة مع مصر .. وهما ضيفين كريمين."

لم يصدّق آدم انّ الواقفة امامه مادّة يدها لمصافحته هي "ايزيس" الالهة الفرعونية بطلة اسطورة ايزيس واوزيريس ... الا انّه لم يغفل عن مصافحتها وبحرارة شديدة ... مبديا اعجابه الشديد بشخصيتها : " لم انل شرفا كهذا من قبل يا صاحبة الجلالة .... انا لا اصدّق اني اصافح الاميرة الاسطورية ايزيس"
" صاحبة الجلالة ... اميرة اسطورية!! " ضحكت ضحكة ضحك معها الجميع وتابعت قائلة " انت فعلا من مكانٍ آخر" ثم استدارت لمصافحة آصف محدّقة في عينيه بشكل حادٍ ومباشر: : وأنت يا سيد آصف من أي زمان اتيت؟" ثم ابتسمت وهي ما زالت تحدّق في عينيه تنتظر اجابته.
" أنا إن كنت امام حضرة الاميرة ايزيس ... فلا شك اني من كل الازمنة وفي كل الازمنة" قال لها مصافحا وهو يرمقها بنظرة تقول انا اعرف انك تعرفين...
" اشكرك يا سيد آصف على اطرائك ... وارجو ان اكون استحقه"
هنا تدخلت سامييا قائلة " وكيف لا تستحق مولاتي ايزيس الاطراء" ثم تابعت لتكسر سلسلة المجاملات واللياقات وقالت ضاحكة " لقد بدأت اغير .. يا (صاحبة الجلالة)" .
سارع انيريت لدعوة ايزيس الى المائدة " لا شك ان مولاتي لن تخذلنا وستشاركنا طعامنا لمباركته ومباركتنا"
" هوّن عليك يا انيريت ... انا دائما اشعر هنا معك ومع سامييا انني حقا في منزلي ... انت لا تعلم مكانكما في قلبي" ثم رمقت آصف بنظرة ذكية وتابعت " الحقيقة انني تخلّفت عن موعدٍ مع الملك والملكة لان دافعا كبيرا حثّني كي اقوم بهذه الزيارة عن غير سابق موعد .. وأنا شديدة الاسف حقا وارجو ان تعذرني يا سيد انيريت"
" مولاتي هي صاحبة هذا المنزل المتواضع تدخله في اي وقت تشاء ونحن ضيوفك وخدّامك"
" انتم اصدقائي يا انيريت ... وسامييا بمثابة اختي ... وانا اعتبركما عائلتي الثانية ... ارتاح جدا عندكما.... اتدري يا اينيريت ان اسمك يعني اسمى المعاني وانت حقا تستحقه .. لانني اجدك مثالي بكل معنى الكلمة ... فأنت الباحث دائما عن الصدق والحقيقة ... ولك رؤى روحانية تساعدك دائما على اختيار القرار الصحيح والمناسب .. فقد نجحت في تربية ابنتك وكنت لها الاب والام والصديق ... وانشأتها نشأة مثالية وانا افخر دائما اني صديقتها، وها انت تدرس امكانية الهجرة من مصر لمعرفتك ان امورا سيئة ستحدق في هذا البلد .. وانا لا الومك على ذلك"
قاطعتها سامييا " مولاتي .. الفخر لي انا .. "
وحاول انيريت ان يبرر مسألة الهجرة " مولاتي انها مجرد فكرة وارجو ان لا اضطر لتحقيقها..."
" حقا سامييا .. ان اقول ما اشعر به .. انت تعلمين انه لا يهمنى المركز ولا يهمني ان اكون ابنة ملك مع ان ابي آمون يشرفني كوالدي ومليكي ... ولكن انا اشعر انني مثلي مثل كل فرد من افراد الشعب ... واجهد دائما ان يكون افراد شعبي في احسن حال
أما بالنسبة الى الهجرة فأنا اشجعك على ذلك .. لأن وللأسف ستتعرض مصر لاحداث لا يستطيع الشرفاء والوطنيين امثالك ان يتحملوا تبعاتها"
ثم نظرت الى آدم وسألته لتقطع الرد على تعليقها الاخير : " اخبرني يا سيد آدم ... كيف انا (اميرة اسطورية)؟ ما يقال عني في بلادكم؟"

اربك سؤال ايزيس المفاجيء آدم واشعره بحرج شديد وبدا وضحا تردده في الاجابة .. الا انه تمالك نفسه بتشجيع من نظرات آصف وكأنه فهم منها انه يقول له ان يقول كل ما يعرفه بشفافية فقال دون تردد:
" مولاتي انتي في بلادنا مادة دشمة للاساطير ... خصوصا وان الشاعر هوميروس الاغريقي قد اطلق عنان مخيلته واسهب في ذكر جمالك وصفاتك الطيبة ... ولكن .." وهنا بدا على وجه آدم التأثر والتردد
"ولكن ماذا سيد آدم" سألته ايزيس بشغف
" يا مولاتي بعض الاساطير تربط علاقة لك بشقيقكِ اوزيريس"
"اوزيريس؟!" سألته متعجبة " لكن انا بيس لدي اي شقيق يدعى أوزيريس، لدي شقيق واحد وهو اخناتون"
" أجل يا مولاتي" قال آدم والتأثر ما زال واضجا على ملامحه .. وتابع " انما هي الاسطورة كما قلت آنفا.... ورواياتها تختلف .. انما نتيجة كل الروايات واحدة ... فأنت الهة الخصوبة وصديقة المظلومين وكفيلة المحرومين ...."
"ليتك تطلعني اكثر على تفاصيل تلك الاسطورة" قاطعته بحماسٍ واضح " انا بغاية الشوق انن اسمعها"
تابع آدم مستجيبا لرغبة ايزيس:
" تروي الاسطورة الاساسية عن صراع الخير والشر وارادة الخير ان ينتصر.
وتحكي عن الامير اوزيريس الذي احب شقيقته حبا جارفا وهي ايضا بادلته نقس المشاعر. وكان لهما شقيق يدعى سات الذي كان يحمل كرها غير عادي لاوزيريس اولا لانه سعتلي عرش مصر وثانيا لانه سيتزوج من ايزيس التي كان ايصا مغرما بها.
ولكي يفوز سات بعرش مصر وايزيس معا اقدم على قتل اوزيريس وقطّع جثمانه الى 42 قطعة وزعها على منا\ق عديدة واختفى هو في باطن الارض لينشأ مملكة الشر.
لكت ايزيس كثيرا على اوزيريس ونجحت في جمع اشلائه واعادة الحياة اليه وانجبت منه ولدا اسمته حورس الذي اصبح العدو الاول لعمه سات.
" يجوز انن هذه الاسطورة تابعة للالهة ايزيس التي عاشت منذ الف عام تقريبا وانا من سلالتها وفعلا هناك بعض النصوص في الهرم الاكبر تشير الى ايزيس واوزيريس" قالت ايزيس " لكني بغاية الشوق ان اعرف نهاية القصة، ارجوك أكمل"
"انها فعلا قصة مشوقة " قالت سامييا .. ووافقها والدها .. وبدا آصف يهز رأسه اعجابا ... وربما تشجيعا لآدم ليكمل الحكاية دون تردد.
سامييا : " ليتك يا آدم تخبرنا هذه الاسطورة بالتفاصيل المملة" وضحكت ضحكتها المعتادة
ضحك آدم والباقون لضحكة سامييا، وتابع آدم
"حاضر يا سيدتي الكريمة.... س|أروي على قدر ما اعلم"

الفصل 11 - في منزل سامييا

استقبل والد سامييا الضيفين استقبالا حاراً، وكأنه توسّم فيهما مستقبلا مزدهرا لطموحاته التجارية. وبعد التعارف دار حوار عام حول مصر وبلاد الشام وتاريخ الحضارات والشؤؤن السياسية التي كانت ضاغطة في تلك الايام بسبب ما يُسمّى "بالثورة" التي يعتزم اخناتون القيام بها ضد الكهنة وربما والده الفرعون الغظيم آمون.
لم يخف والد سامييا " إينيريت" مخاوفه من ان شيئاً ما قد يحصل في المستقبل بين الفرعون آمون وابنه أخناتون ويتسبب بخراب كبير لمصر وشعبها.
" لذلك انا افكّر جديّاً بالانتقال الى بلاد الشام والعيش والعمل هناك، وربما تساعداني في بعض المعلومات المفيدة التي يمكنني ان ابنى عليها قراري النهائي" قال لهما "اينيريت" وهو يقود ضيفاه الى مأدبة الطعام.
تفاجئت "سامييا" بقول والدها " اانت داد يا أبي، انت لم تفتح معي هذا الموضوع من قبل؟"
" الحقيقة كنت انتظر الوقت المناسب لافاتحك بالموضوع، وايضا لانني لم اتمكن بعد من اتخاذ قراري النهائي"

لاحظ آدم ان والدة "سامييا" غير موجودة، فدفعه فضوله الى السؤال وجهه الى سامييا:
" ربما يجب ان ننتظر الست الوالدة قبل تناول الطعام"
بدت مسحة حزينة وجه سامييا، وغالبت دموعها فلم تستطع الكلام. تطوّع والدها للاجابة
" الحقيقة ان والدة سامييا قد غادرتنا للاسق الى العالم الآخر باكرا" وخاول هو ايضا ان يغالب دموعه .. ثم تابع وهو يجهد برسم ابتسامة " الا انها أودعت معي اغلى جوهرة في الكون .. ابنتي سامييا ... التي لها أعيش ولها اعمل ومعها وجدت طعماً حلواً للحياة بعد رحيل الغالية "جانداي"

تدخلّ آصف لمنع الاثنين من ذرف الدموع وقال:
"فقد العزيز صعب جدا، الا اننا يجب المتابعة في هذه الحياة من اجل احياء ذكراه ... انا آسف جدا بشأن غاليتكم ... " ثم وجّه حديثه الى إينيريت " ومتأكد انها تركت لك اثرها في هذه الجوهرة الصمينة التي يجب ان توفّر كلّ جهدك لتأمين مستقبل مريح لها"
دبّت الحماسة في إينيريت وقال مؤكداً " وهذا ما اقسمت بيني وبين نفسي على القيام به"
هنا تدخّل آدم بشكل عفوي محاولا ارجاع البسمة الى وجوه الجميع وقال ضاحكا:
" لا تكثروا من اطراء هذه الحسناء وهي موجودة ... قد يدفعها هذا الى التكبّر علينا"
تفاجأ الجميع من قول آدم الا انهم استحسنوه وضحكوا جميعا .. باستثناء سامييا التي قالت بحياء
" وكيف اتعالى على ابي وهو الذي اوجدني وضحّى بالغالي والنفيس من اجلي"
شدّ انيريت على يد سامييا شاكرا ... الا ان آصف تدخّل معلّقا ليكمل ما بدأه آدم
" هذا يعني انكِ ستتعالين علينا انا وآدم ... آه منكِ يا شقية"
ضحكت سامييا ضحكة خجولة وسارعت قائلة :" ابدا ابدا ... لا اقصد هذا على الاطلاق .. فلسبب لا اعرفه انا اشعر انكما من ضمن اهلي وعائلتي " ثم رمقت آدم بنظرة فيها كل الوان الهيام وتابعت " واشعر اننا سنكون مقرّبين جدا من بعضنا البعض"
" وانا عندي نفس الشعور ... بالرغم اننا تقابلنا اليوم فقط" قال انيريت مؤكدا
ابتسم آصف ابتسامة العالم بالشيء وقال : "صدقتما صدّقوني .. فشعورنا واحد" ثم توجّه الى آدم " اليس كذلك يا آدم"
" بالطبع .. هذا شعوري من اللحظة التي قابلت سامييا ... وها انا اقابل والدها وازيد تأكدا ان شيئا ما او امرا ما جمعنا هذا اليوم .. واتمنى ان يكون خيرا".
" اذاً ... لنتشارك في الطعام وندعو الالهة ان تكون جمعتنا هذه من اجل خيرنا جميعا" قال انيريت وهو يؤشر للبدء بالطعام. ثم تابع:
" ماذا تنصحني يا سيد آصف بالنسبة للتجارة مع بلاد الشام ... ولربما نعمل سويا على ذلك"
قال آصف:" بلاد الشام يا سيدي غنية بالزرع والاشجار ... وفيها الاخشاب الجيدة وانواعا مختلفة من الخضار والفاكهة .."
قاطعه آدم متابعا الحديث: " وفيها ايضا الزيوت الجيدة كزيت الزيتون وزيوت النباتات المختلفة .. كما يوجد فيها انواعا مختلفو من البقول والحبوب والصعتر ..."
أنصت اينيريت بشكل كامل الى شرح آصف وآدم عن شؤون التجارة مع بلاد الشام ... اما سامييا فكانت فقط تتأمل وجه آدم ولا تسمع الحديث الدائر حول الطاولة.
ثم بدأ اينيريت بشرح مختلف الصناعات في مصر من ادوات الكترونية وكهربائية وصناعة الزجاج والساعات والماكينات الثقيلة ... والسيارات والطائرات..
قال آدم : " الحقيقي يا سيد انيريت انا مهتم شخصيا بمعرفة لماذا بقيت كل هذه الصناعات حكرا على مصر ولم تتوسع لتشمل على الاقل البلاد المجاورة لها ... فنحن في بلادنا لا نعرف شيئا عن هذا التطور الحضاري لديكم ... وليس عندنا تلك الاختراعات والصناعات ... ونعيش تقريبا بشكل بدائي جدا بالنسبة لما عندكم هنا"
رمث آصف آدم بنظرة اعجاب، وكأنه يُعلمع انه يُدرك ما يرمي اليه بسؤاله.
"الحقيقة سؤالك هذا يجيب عليه كل تلك الحروب التي عانت منها مصر في القرون الماضية وما زالت" تنهّد انيريت ثم تابع حديثه " عندما جاء هرمس الهرامسة ادريس وعلّمنا كل تلك العلوم، ثم علّمنا كيف نبني الاهرامات ونُخزّن فيها تلك العلوم ... ظن الملوك الذين تتابعوا على حكم مصر ان ادريس توخّى من بناء الاهرامات ان نحافظ على اسرار تلك العلوم ... فانطوينا على انفسنا كل تلك القرون ... وحبّأنا اسرار علومنا ... مما جعل باقي الامم يحاولون دائما غزونا لمعرفة تلك الاسرار .. وقد نتج عن ذلك الكثير الكثير من الحروب والكثير الكثير من الضحايا ومن الخراب ... اما في عهد آمون العظيم .. فقد بدأت سياسة الانفتاح على العالم الخارجي ... وسمح تدريجيا بتبادل العلوم والتجارة ... الا ان ابنه اخناتون يريد قلب ذلك كله ... لذلك انا قلق جدا بشأن مستقبل مصر"

في تلك اللحظة جاءت مدبرة المنزل لتعلن وصول ضيفة مميّزة.

الفصل العاشر ممفيس العاصمة

مدينة ممفيس القاهرة اليوم هي اهم عاصمة فرعونية ولها تاريخ مرموق في صناعة القوة الفرعونية.
وهي تقع على مساحة ما يسمى اليوم بمدينة الجيزة والتي يوجد فيها اكبر واشهر اهرامات مصر.
بدأت سامييا بتقديم نبذة عن مدينة ممفيس:
" هذه "ممف" المدينة العظيمة اوجدها الملك مينا موحد المملكتين العليا والسفلى. كانت تسمى بالجدران البيضاء. وهي مدينة الحرفيين الذين بنوا الاهرامات وساهموا في بناء اهم المعابد.
وتقول الاسطورة ان الاله فتاح قد انعم على سكان مصر موهبة العاطفة وطلاقة اللسان ... مثلي انا تماما" قالت ضاحكة ثم تابعت: " وهي ايضا تلقّب "أنخ تاوي" أي شريان البرّين، اشارة الى ضفتي نهر النيل الخالد".
توقفت سامييا أمام سيارة جميلة راكنة على طرف الطريق، فتحت ابوابها بواسطة مفتاح خاص يعمل على نظام "الريموت" وادارت محركها بنفس الطريقة ثم قالت : " هذه سيارتي المتواضع، تفضلا كي نذهب بجولة سريعة اطلعكم خلالها على معالم المدينة". ثم اشارت الى آصف ان يتفضل اولا، ففهم مقصدها وتوجه الى المقعد الخلفي وجلس.
جلس آدم في المقعد الامامي بحانب سامييا التي بدى على وجهها علامات الغبطة.
صغ\ت سامييا عاى زرار متوهج موضوع فوق مقود السيارة فارتفعت قليلا عن الارض، ثم دارت بالمقود نحو اليسار، فتحركت السيارة ثم عدلت المقود وداست على زرار آخر فانطلقت السيارة بسرعة متوسطة.
حلّقت السيارة فوق الاهرامات وبدأت سامييا تشرح لهما تاريخ وسبب بنائها:
" تشاهدان الآن الهرم المائل الذي بناه الملك سوريس والد الملك خوفو باني اكبر هرم. والهرم المائل يعتبر بدعة هندسية تشهد على تقدم هندسة العمران في ذلك الزمان. لقد ظن الجميع عند الانتهاء من بنائه انه خطأ عمراني، الا انهم بعد ذلك تحققوا من الاعجاز الذي احتوى هذا البناء العظيم.
أما الهرم الاحمر امامه فهو ايضا معجزة اخرى نسبة الى الوانه.
والهرم الثالث هو قمة الفن الهندسي، فاضلاع هذا الهرم انعم من ملمس الحرير".
توقفت سامييا برهة عن الحديث لتنظر في وجه آدم وتتمعن بتاقسيمه، ثم قالت " او يجوز انعم من بشرتك يا سيد آدم" وضحكت ضحكة خفيفة.
بدت الحمرة تنتشر على وجه آدم من الخجل والغضب في آن. لم يكن آدم يعلم ان البشرة الناعمة للرجال في ذلك الزمان دليل عراقة ونبالة وهي سمة مادحة وليست اهانة. الا انه كتم تفكيره ووجه الى سامييا سؤالا عن السبب الاساسي لبناء الاهرامات.
تابعت سامييا الحديث وهي تشعر بشيء من الاحراج بسبب عدم قدرتها الامتناع عن توجيه اشارات الغل الى آدم:
" الاهرامات هي الخزائن التي تحوي خزائن الدولة العلمية والمالية. وهي من أهم الامكنة التي تُصنّف بالسرّية. فالدخول اليها محصور لرجال الدولة ... كما ان فيها غرف هي مقابر للملوك وأسرهم"
ثم اشارت الى تمثال ابو الهول " هذا هو تمثال "شاخمت" ابن الشمس وابن "ساخمت" حامية الديار وماسحة الصحاري"
قاطعها آدم " رأسه رأس أسد!!!"
" صحيح ...  انما في الحقيقة فإن شاخمت هو تجسيد للملاك الذي بُعثَ من السماء لحماية مصر وارضها ... وتسهيل مهمة الذين بنوا مصر واثروها بالعلم والتكنولوجيا"

"ومن هم بناة مصر وفق معلوماتك؟" سألها آصف
" يقولون ان رجلا جاء من بلاد بابل يدعى أخنوخ، بصحبة كوكبة من العلماء يقال انهم خبطوا من السماء. وهم جميعا وصعوا الانظمة العلمية التي هي اساس حضار مصر. ثم اختاروا الملك هرمس ولقّنوه كل العلوم، وارشدوه الى طرق تخزينها في الاهرامات.
هذه الاهرامات مبنية على طرق علمية وفيها من الاسرار التي يعجز على الانسان العادي فهمها. فيها معادلات فيزيائية وفلكية هي لب الانظمة الطبيعية في هذا الكون. وبها تّخسب المسافات الارضية والكونية"
لم يعد آدم قادرا على استيعاب المزيد من كلام سامييا. فكلامها نقيضٌ واضح لكتب التاريخ والمعلومات المتداولة عن الفراعنة وتاريخهم الحضاري. ولكنه شعر بنهمٍ واضح وشهية لمعرفة المزيد من الحثائق التي زيفها المؤرخون.
" وماذا عن هذا الهرم الكبير" سألها بحماس
وكأن آصف قرأ ما يدور بذهن آدم فقال: " الحقيقة يا آنستي الكريمة اننا جئنا من عصرٍ لم يعطنا المعلومات الحقيقية عن تاريخ بناء مصر ولا عن اهراماتها واسرارها غير انها مقابر للملوك.
هناك بعض المثقفين الذين يحاولون الوصول الى اسرار بناء الاهرامات، ولكنهم يربطونها عشوائيا بأنظمة الكون والانظمة الفلكية بين الارض والمجموعة الشمسية حولها".
لم تنتبه سامييا الى كلمة (عصر) التي وردت في حديث آصف، وسارعت لتجيب:
" الحقيقة يا سيدي ان مصر لها اعداء في الداخل والخارج يربطون حضارتها بالاعمال السحرية، ويحاولون دائما ان يعرقلوا نموها الحضاري والاقتصادي. ولأن الاهرامات هي مركز الاسرار فهم يركزون اعلامهم السيء نحوها ليجبروا الدولة على كشق البعضمن تلك الاسرار"
حلّقت السيارة فوق الهرم الاكبر
" هذا هو الهرم الاكبر الذي سألت عنه يا آدم. بناه الملك العظيم خوفو. ويقال انه يحوي اسرار الكون كلها. وهو ايضا باني تمثال شامخت"
رنّ "هاتف" ساميياـ فقطعت حديثها لتجيب والدها وتؤكد له انهم في الطريق الى البيت
" سأدع الحديث عن هرم خوفو لوالدي فهو اقدر مني على شرح ماهية اسراره. هو بانتظارنا في المنزل"
ثم انطلقت مسرعة الى المنزل.

الفصل التاسع - محادثات حول الطاولة

بدأت النادلة بوضع اطباقا صغيرة متنوعة من اللحوم والخضار وفق طلب سامييا، التي لم تفتر ابتسامتها اللطيفة ولم تنقطع عن التحديق بوجه آدم الذي كان يحاول جاهدا عدم النظر اليها.
" هذه الاطباق المتنوعة تذكرني بالمطاعم في بلادي" قال آدم وهو يتفحص بامعان كل الاطباق المرصوصة على الطاولة امامه.
" هذا صحيح لان صاحب المطعم من نواحي بلادكم من مدينة يطلقون عليها اسم "بعلبك" قالت سامييا وهي تشير اليهما بالبدء بتناول الطعام " تفضلا بالهنا والشفا"
بدأ كل منهم يضع ما يختار من الاطباق في طبقه.
نظر آصف الى الفتاة وقال: " لن نستطيع شكرك مهما حاولنا" ثم ضحك قائلا " انت انقذتينا من الموت جوعا"
" كيف كانت رحلتكما من بلاد الشام وكم استغرقت من الوقت وعلى اية خطوط جوية جئتما" سألتهما ساميي بكل شغف.
" كانت رحلة سهلة في الحقيقة " أجاب آصف ثم تابع ضاحكا " لقد وصلنا بلمح البصر"
لم يتمكن آدم من منع سعاله بعد ان علقت لقمة الطعام في بلعومه، وناولته سامييا كوبا من الماء ليشربه ويسهل عليه البلع.
"أشكرك" قال آدم ملاطفا سامييا
" أتعلم ان هذه هي الكلمة الثانية التي نطقت بها منذ تقابلنا" قالت سامييا
" كيف هذا؟" أجاب آدم ثم تابع ضاحكا " لقد قلت أيضا: موافق طبعا ان نبدأ بالطعام أولا"
ضحك الجميع ونسيت سامييا سؤالها وبدت مهتمة اكثر بأدم فقالت له ملاطفة:
" سمعت يا سيد آدم ان بلادكم خلابة وايضا نسائكم" ثم رمقته بنظرة عميقة وتابعت " وها انا أعاين رجالكم ... فوسامتك باهرة .. اعذرني انا لا اقصد ان اتغزل بك ولكن لم اقدر ان امنع نفسي عن اظهار اعجابي بوسامتك"
" اشكرك سيدة سامييا على اطرائك وتأكدي اني انا ايضا اراك ساحرة الجمال .. اين منك كليوباترا؟"
بدأ آصف بالسعال بقصد تنبيه آدم
" كليوباترا؟" تسائلت سامييا بدهشة
انتبه آدم الى خطأه ... فكليوباترا لم تكن قد خلقت بعد في ذلك الزمان
" وأي كليوباترا تعني؟" سألته سامييا بنبرة جادة

" لا بد انك تقصد كليوباترا ابنة المجد الاغريقية ... هي حقا بارعة الجمال" تدخل آصف لانقاذ آدم ثم التفت الى سامييا متابعا" الا ان آدم لم ينصفك يا سيدتي ... لانك أجمل بكثير"
ابتسمت سامييا للاطراء

" طبعا هذا ما قصدته فعلا .. اين منها كليوباترا" قال آدم وقد بدأت علامات الخجل على وجهه تفضحه

" اخبرينا يا سيدتي عن عملك وما نوع التجارة التي يحترفها والدك" قال آصف مغيرا ببراعة وجهة الحديث.
" نحن يا سيدي نعمل في تجارة المواد الغذائية، كما اننا نستورد اصنافا عديدة من البهارات من بلاد الهند والصين. ويريد والدي ان ادرس له امكانية تصدير منتجاتنا الى بلاد الشام، واستيراد الاخشاب وانواعا من الخضار والفاكهة من هناك" قالت سامييا بحماس
" هذا جميل ونحن نستطيع مساعدتك واعطائك المعلومات الكافية كي تكوني على دراية كاملة قبل سفرك وستكونين ايضا ضيفتنا هناك" قال أصف وهزّ آدم رأسه موافقا
" أشكرك يا سيد آصف ... انما ما نوع التجارة التي تريدون ان تستعلموا عنها هنا؟" سألته سامييا ببراءة ثم نظرت الى آدم وكأنها تتمنى ان يجيبها هو
وبكل عفوية قال آدم انهما يريدان الاستعلام عن انواع الاجهزة الاكترونية والكهربائية. ثم نظر الى آصف وكأنه يسأله اذا كان قد أخطأ بقوله
ابتسم أصف قائلا: " انت تعلمين يا سيدتي ان بلادكم متقدمة علميا على بلادنا، والازدهار الذي تنعمون به هو نتيجة التطور العلمي الذي تضاهون به بلاد العالم. ونحن نريد ان نستطلع امكانية استيراد بعض من تلك الاجهزة ونريد ان نسأل اذا كان من الممكن استخدامها في بلادنا"
" مثل ماذا مثلا" سألته سامييا ثم تابعت " كي استطيع ان ارشدكما الى الجهة التي تستطيع اعطائكم كل المعلومات اللازمة"
" قبل ان نصل الى هذا الامر نريد ان نستطلع بأنفسنا عن طريقة استخدامكم تلك الاجهزة، ونستخبر ميزاتها العملانية قبل ان نزعج احدا بأسئلتنا ... نحن نغامر بالدخول الى سوق جديد جدا علينا" قال آصف محاولا التهرب من اعطاء اجابات محددة

ثم سألها آدم " الحقيقة اننا لمحنا ان بعض الناس يستخدمون اجهزة لها شاشات يتكلمون من خلالها ولم نفهم بالتحديد هذه الاجهزة"
أخرجت سامييا جهازا صغيرا من حقيبتها وقرّبته من آدم قائلة: " تقصد هذا الجهاز؟ انه جهاز نتواصل به ونسميه "اللاقط" ... وهو اختراع حديث يعمل على الطاقة الشمسية ويلتقط عبر الاثير الموجات الصوتية والصورية وينقلها بين الناس. فمثلا استطيع ان اتكلم من هنا مع ابي واسمعه ويسمعني واشاهده ويشاهدني عبر هذا الجهاز"
تظاهر آدم بالاعجاب وسألها " لقد سمعت عن هذا الجهاز من قبل الا انه لم يصل بلادنا بعد... وكيف تتصلين بوالدك ... اعني كيف يحدد الجهاز انك تريدين التكلم مع والدك؟"
" الحقيقة انه جهاز جديد وانا لا املك تقنيته الكاملة بعد، ولا اعرف كيف استفيد من كل ميزاته .. انا ايضا ما زلت مبتدأة وبراعتي في التكنولوجيا كبراعتي في التحدث باللغة الصينية .. صفر" واطلقت ضحكة مميزة ضحك لها الضيفان.
ثم تابعت تقول بعد ان التقطت انفاسها " يحتوي الجهاز على ذاكرة تخزين للمعلومات، وهذه المعلومات تدار بواسطة شبكة تديرها شركة نطلق عليها اسم شبكة الاتصالات... فأنا مثلا مشتركة لدى هذه الشركة وهي التي تنظم طريقة الاتصال من خلال هذا اللاقط"
" جميل جدا.. ولكن كيف تتحكم تلك الشركة بنقل موجات الصوة والصورة من مشترك الى مشترك؟"
ضحكت سامييا مرة اخرى وقالت " انبهك انه ليس لي خبرة كافية لاجيبك على سؤالك .. لكن اظن بواسطة الاقمار الصناعية"
" وما هي هذه الاقمار الصناعية" سألها آدم بحشرية متناهية
" أنت غير معقول لا آدم" قالت ممازخة وبشيء من الدلع .. " انت تريد ان تحرجني .. لكن ساجيبك قدر الامكان .. انها مراكز معلومات مزروعة في الفضاء، وكل مركز له اختصاص معين ... هذا كل ما اعلمه عن وظيفة تلك الاقمار... وإياك ان تسأل سؤالا آخر عن هذا الحهاز" قالت وهي تضحك ثم نظرت اليه بإغراء وقالت " بجد".

ضحك آدم معتذراً " الحقيقة اننا نريد ان نستطلع اذا كان بامكاننا استعمال هذا الجهاز مثلا كما غيره من الاجهزة المتطورة لديكم في بلادنا" قال آدم وهو يظهر براعة كاملة في ابداء جهله بالجهاز .. براعة ادهشت آصف نفسه.
"سأقوم ببعض الاتصالات واحاول ان اجمعكما بمن يستطيع افادتكما بهذا الشأن"

في تلك الاثناء اطلق الجهاز الصغير الذي تحمله سامييا بعض الاصوات الخافتة، فلمست مكانا معينا على الجهاز ثم راحت تتحدث مع المتصل:
" اهلا ابي، لا لم اذهب الى الموعد المقرر لقد طلبت تأجيله للغد وأنا الآن اتناول طعام الغداء مع ضيفين كريمين من بلاد الشام، وهما تاجران اتيا لدراسة امكانية التبادل التجاري بين بلدينا"
أنصتت قليلا ثم تابعت:
" لا هما مهتمين بتجارة الاجهزة التقنية، ولكن لديهما معلومات وافية عن باقي انواع التجارة واظن اننا سنستفيد من خبرتهما ومعلوماتهما"
"بالطبع سأدعوهما لمقابلتك"
"ماذا على العشاء اليم في المنزل؟ لحظة اسألهما"
ثم وجهت الحديث الى آصف وآدم
" والدي يريد التشرف بدعوتكما على العشاء في منزلنا المتواضع هذا المساء"
ثم نظرت الى آدم: "ارجو الموافقة
أومأ الاثنان بالايجاب
" حسنا يا ابي سأصحبهما هاذ المساء الى المنزل"
انهت سامييا المكالمة مع والدها ثم وجّهت الكلام لضيفيها:
" اشعر اليوم بغبطة وسعادة متناهية وكأن السماء راضية عني فقد حظيت بمن يستطيع تسهيل مهمة عملي  ...." ثم نظرت الى آدم وتابعت " وربما مستقبلي كله"

ظهر على آدم الارتباك حيث فهم تماما ما تعنيه الفتاة واحس بما تشعر به تجاهه، لانه يشعر بنفس الشعور تجاهها ... وهو يعلم تماما انه بالرغم من عدم امكانية حصول اي منهما على مبتغاه من الآخر، فإنه سعيد بهذا الشعور ولا يستطيع ابعاده وعدم التفكير به، بل اكثر من هذا فهو لا يستطيع منع نفسه عن التقرب اكثر من هذه الفتاة!
وكأن آصف احس بما يفكر به آدم، فابتسم ابتسامة باهتة ثم التفت الى سامييا
" نحن يا سيدتي نشكر الصدفة التي جمعتنا وفخورن جدا بمعرفتم ولنا كل الشرف ان نلتقي بوالدك"
" اذن ما تريدان ان نفعل حتى يحين موعد العشاء؟" سألت سامييا ببراءة متناهية وحماس شديد.
فاجأ السؤال كل من آدم وآصف فهما لم يدر بخلدهما انهما سيمضيان بقية بعد الظهر مع سامييا
" لا نريد ان نلهيكي عن عملك، نستطيع ان نلتقي مرة ثانية وقت العشاء" قال آصف معتذرا
" ومن قال انكما لستما من صميم عملي" أجابته سامييا ثم تابعت ضاحكة" كانت السماء في عونكما فقد فرضتني عليكما ولن تخلصا مني بهذه السهولة"
ضحك الجميع من جملتها الاخيرة ثم علّق آدم قائلا:
" الحقيقة يا سيدتي كانت السماء في عونك انتِ، اما بالنسبة لنا فكم يسعدنا ان نكون برفقتك"
" حقا؟ اتقول هذا الكلام من قلبك؟" سألته بإغراء شديد

" طبعا من كل قلبه.. وقلبي ايضا" تدخل آصف ضاحكا ومتابعا" كم اكرمتنا السماء بكِ اليوم"

" اذن طالما الامر كرماً بكرم ... اسمحا لي ان ادفع حساب الغداء ولنغادر المكان وسآخذكما في جولة على معالم المدينة"

لم تنتظر سامييا جواب الرجلين بل سارعن لدفع الحساب ثم اتت لتتابط ذراع كل منهما قائلة:
" والآن هيا بنا لتجول في ممفيس"

الفصل الثامن - المخالطة

لم يعد آدم يدري نوع المشاعر التي كانت تعتريه وهو يمشي في شوارع المدينة. كان يعتريه نوع من الرهبة والتعجب وعدم تصديق كل ما يجري والاحساس انه قطعا لا يحلم لان كل شيء امامه يدل على انه في يقظة تامة.
لكن الشيء الوحيد الذي كان يبعث الطمأنينة في قلبه هو وجود آصف.
أصبح هذا الرجل زر الامان له. وصار وجوده حيويا بشكل لا يمكن وصفه. وكلما خطر ببال آدم فرضية ان يفقد آصف او يضيّعه، يندي جبينه بعرق بارد ويتأبط ذراع آصف ويلتصق به. لا يستطيع حتى التفكير في فرضية ان يضيع. فإن ضاع فهو لا يضيع في المكان فحسب انما في الزمان ايضا.
وكأن آصف شعر بما يدور في رأس آدم، فحاول ان يخففف عنه وينفخ فيه روح الامان فحثّه على الاطمئنان وطلب منه ان لا يدع الخوف يتسلل الى قلبه، وأكّد له انه لن يدع أي مكروه يصيبه طالما هو معه، وسيرده سالما الى مكانه وزمانه.
بدأت الطمأنينة تسري في عروق آدم، وليبعد عنه افكار الهلع، راح يشغل نظره بالجول على معالم الشارع الذي يمشون على رصيفه، وبالسيارات والمارة الذين يجوبون الشارع، والسيارات المحلّقة في السماء، وتذكّر فجأة الفيلم السينمائي الاميركي "العنصر الخامس" الذي تدور احداثه في المستقبل، والسيارات تسير وتطير ونظام السير في الجو مثل نظام السير على الارض!
ابتسم آدم لهذه المفارقة وعجب كيف ان القدر سمح له ان يعاين هذا المشهد في وضعٍ حقيقيٍ خياليٍ بآنٍ معاً.
ووسط ما يدور برأسه من أفكار وما تعاين عيناه من عجائب، فقد لبرهة قصيرة التركيز وكأن الوجود كله غاب عنه ولم ينتبه الا عندما اصطدم بشخص وبطريقة عفوية وتلقائية اعتذر منه.
وردّت الفتاة الواقفة امامه باعتذار مماثل، ووقف آصف معاينا المشعد وكأنه يريد ان يعرف ما الذي سيحصل بعد ذلك.
وقف آدم مدهوشا امام الفتاة. فقد كانت خارقة الجمال وترتدي جلبابا أبيض اللون وتضع على راسها خمارا احمرا لفّت عنقها بطرفه واسدلت الطرف الآخر على صدرها.
وكانت الفتاة تحدّق بآدم ورفيقه وكأن التعجّب كان يراود فكرها في أمر الرجلين الذين بلا شك يبدوان غريبين عن المدينة وربما عن مصر كلها.
ولكي لا يطول تلعثم آدم ولا تعجّب الفتاة، تدخّل آصف لينقذ الموقف وبادر الفتاة قائلا :
" اكرر الاعتذار عن صديقي الذي عقد جمالكِ لسانه، وانتهزها مناسبة لاسألك ان تدلّينا على مطعم جيد في المدينة يمكننا ان نأكل فيه. فنحن غريبان وقد وصلنا لتونا".
قالت الفتاة بكل أدب: " لا داعي للاعتذار يا سيدي. فالخطأ ممكن ان يكون مني". ثم سألته ان كان يفضّل نوعا معينا من الطعام كي يسهل عليها انتقاء المطعم المناسب.
" المهم ان يكون مطعما قريبا من هنا ... فقد جئنا من سفر طويل" قال آصف راسما على وجهه ابتسامة عريضة.
بدأت الفتاة بوصف الطريق لمطعم قريب يقع في الشارع لكن آصف قاطعها قائلا:
" لما لا تُكملي معروفك وتوصيلينا الى ذلك المكان اذا كان لديك متسعا من الوقت"
نظرت الفتاة الى آدم الذي لم ينته بعد من التحديق ثم رسمت ابتسامة رقيقة وقالت:
" على كل حال انا كنت اريد تناول طعام الغذاء بعد ساعة من الآن في ذلك المطعم ولا مانع لدي ان نذهب الآن وتكونا ضيفاي"
" لا ... لا نريد ان نكلّفك ... ونحن عاجزين عن شكرك وملاقاة لطفك ... اسمحي ان يكون لنا شرف دعوتك" اصر آصف
" إذن دعونا نتوجه الى المطعم، وهناك نتقاتل على من يدفع الحساب" قالت الفتاة بمرح ثم تابعت موجّهة الكلام الى آدم: " يبدو انني اذكرك بفتاة ما" وضحكت
خجل آدم وتفاجأ من جرأة الفتاة .. ثم ضحك آصف حتى يخلص آدم من تلعثمه .. وضحك الجميع
" اسمي ساميا" ... وأنتما؟
" أنا آصف ... وصديقي اسمه آدم ونحن من بلاد الشام وقد جئنا نستطلع امور التجارة هنا"
" آه كم انا محظوظة اليوم ... فأنا اعمل لدى والدي ... وهو لديه مؤسسة تجارية وقد قال لي انه يريد ان يرسلني في رحلة عمل الى الشام كي استطلع امكانيات التبادل التجاري بيننا"
" عظيم عظيم" قال آصف .. "اذن يمكننا مناقشة هذا الموضوع اثناء الطعام"
" ما رأيك يا سيد آدم" سألته ساميا
" موافق طبعا ان نبدأ بالطعام أولا" قال آدم ضاحكا وكاسراً بشكلٍ مباغت علامات الدهشة التي كانت ما زالت مرسومة على وجهه" وضحك الجميع وتوجّهوا نحو المطعم.


الفصل السابع - الصورة الكاملة

لم يصدّق آدم ما تراه عيناه من زحمة سير في شوارع المدينة.
سيارات تملأ الشوارع ومركبات تطير في الفضاء.
وتمتّد على جانبي الشارع مباني زجاجية عملاقة لا توحي ابدا بأنه في عام 1300 قبل الميلاد.
لذلك وجّه سؤالا مباشرا الى آصف اذا ما كان الذي يشاهده الآن هو من الاعمال السحرية أو تهيئات تؤثّر على خياله وعقله، أو يجوز أن تكون هلوسة أو أنه ما زال يغطّ في نوم عميق ويحلم كل تلك الاحلام.

لكن آصف أكّد له أن ما يراه الآن هو حقيقي جدا وأنّه يقف أمام قمة الحضارة التي كان ينعم بها سكان ذلك الزمان والتي كان الفراعنة يعيشون ذروة أوجها.
وبكل هدوء راح آصف يشرح لآدم سر ما يراه: " كما قلت سابقا فقد استخدموا الطاقة الشمسية لانتاج الطاقة الكهربائية التي استخدموها لمركباتهم السيارة والفضائية.
لقد تمكّنوا من انتاج الطاقة أيضا من مصادر مختلفة الى جانب الاشعة الشمسية، كالريح مثلا وأمواج البحر لانتاج الطاقة الكهرومائية كما استغلّوا الفضلات النباتية والحيوانية لصنع الوقود والطاقة الحرارية.
لقد وفّر الله لهم الماء والهواء والريح والارض فاستغلّوها جميعا لمآربهم العلمية.
صنعوا الطاقة الحرارية للتدفئة والتبريد والطهي، وطوّروها لصناعة المحرّكات التي تعمل على الكهرباء والماء والمحركّات النفاثة والمحركات الميكانيكية والكهرومائية، كما اخترعوا أجهزة ومعدّات الكترونية... صنعوا كل شيء".
" ولكن كيف استطاعوا التوصل الى هذا الانجاز العلمي؟ كيف استطاعوا أن يبنوا هذه الحضارة التي يبدو ان العلم هو أساسها؟"
ابتسم آصف ابتسامة العارف بالامور وقال: " يجب ان يكون سؤالك كيف وصل الانسان الى أي شيء من المعرفة؟ أو كيف أتته تلك المعرفة؟ أو من علّمه كل هذا؟.
عندما خلق الله هذا الكون ثم خلق الانسان والحيوان والنبات وكل شيء حي، جعل لكل كائن حي طبيعة مختلفة. وخلق الغريزة في الانسان والحيوان ثم خص الانسان بالعقل.
ولأنه خص الانسان بالعقل، جعله يصل بواسطة غريزته وعقله الى حب المعرفة.
فوهبه بعضا من المعرفة، وأرسل له من يساعده على تطوير هذه المعرفة على أسس علمية.
عندما ظهر الانسان على الارض كانت الملائكة تنزل من السماء وتختلط بالبشر، تعلّمهم ما يجب ان يتعلّموه.
واختار الملائكة من بين هؤلاء البشر أشخاصا كانت لهم مواهب معيّنة، كان الله قد جعلهم مميزين بأن أعطاهم بصيرة استثنائية بحيث كانوا قادرين على رؤية ما لم يكن غيرهم من الناس رؤيته.
هؤلاء الناس كانوا رسلا وانبياء وعلماء ومخترعين على قدرة عالية لالتقاط الاشارات العلمية التي تخوّلهم استغلال وتطوير الطاقات الموجودة في الارض والجو والماء".

وقاطعه آدم قائلا: " ولكن كيف بدأ كل ذلك؟ من كان أول انسان يكتشف كل تلك المعلومات؟".
" الحقيقة ان أول انسان يمكن أن تصفه بالعالِم، هو النبي أخنون الذي تعرفه انت بإسم إدريس. كان هذا الرجل هو سر جميع العلوم.
علّمه الله بواسطة الملائكة كل العلوم من طب وكيمياء وفيزياء وفلك، وهو بدوره علّمها لأشخاص كان الله يميّزهم ببصيرة مختلفة كي يستوعبوا ويلتقفوا ما يتعلّموه ويطوّروه".
" ولكن ادريس نبي ورسول مهمّته نشر الايمان على الارض. هكذا تعلّمنا من الكتب الدينية والتاريخية".
" صحيح. ولكن الا تظن أن نشر العلم هو جزء من نشر الايمان على الارض.
الا تظن ان العلم الذي كان يعلّمه ادريس للناس ويكتشفون بواسطته حياة أفضل من المفترض ان تقرّبهم اكثر الى الله، هو منتهى الايمان.
أخبرتك منذ بعض الوقت ان الملائكة كانوا ينزلون من السماء ويختلطون مع البشر، لذلك كان الايمان نوعا ما مسيطرا في ذلك الزمان. ولكن الناس كانوا يفتقرون الى معلمّين يعلّمونهم كيف يعيشون على هذه الارض بشكل أفضل.
لقد علّم الله آدم كل المباديء العلمية، ثم بعث ادريس ليطوّرها ويطبّقها ويسخّرها للناس ليستعملونها في حياتهم اليومية.
بدأ ادريس يمارس التعليم في وطنه العراق، فوضع هناك اسسا ومباديء كانت نواة لما يسمّى قوانين العيش. فوضع المناهج التعليمية، والانظمة لادارة المجتمعات والاوطان، التي طورها البالبليون فيما بعد.
ولأن الفراعنة كانوا قوما فتح الله بصيرتهم وأهّلهم لاستيعاب المعلومات العلمية، ذهب ادريس اليهم وعلّمهم الطب والعلوم والمعادلات الحسابية التي استطاعوا بها ان يبنوا اهراماتهم ويخزّنون فيها اسرار تلك العلوم والمعادلات.
كانوا يسمّونه (هرمس الهرامسة) اي استاذ الاساتذة.
علّمهم ادريس كيف تكتمل الدورة المائية منذ خروج بخار البحار وصعوده الى اجواء السماء وتحوّله الى أمطار تعود الى الارض.
وكيف انه خلال هذه الدورة تخلق أجواء السماء خصائص اخرى مثل الريح والعواصف. وكيف ان كل هذا يتعامل مع الاشعة الشمسية لتبقي أجواء الارض دافئة قابلة للحياة البشرية والحيوانية والنباتية.
وكيف ان النبات يحوّل الطاقة الشمسية الى طاقة كيميائية ينتج عنها الثمار والاخشاب والفضلات التي تتحول بدورها الى وقود طبيعي.
عندما علّمهم ادريس كل هذا، استطاعوا أن يصنّعوا المركبات التي تسير على الارض وتطير في السماء كما تراها انت الآن أمام عينيك".
" هذا فعلا شيء مدهش ولكن يصعب تصديقه".
" بالطبع أنت لا تستطيع تصديقه لأنك تظن ان كل تلك العلوم بدأت فقط قبل بضع مئات من السنين قبل ان ان تخلق.
أمّا انا فلا أستطيع ان أصدّق ان الانسان فقد كل تلك العلوم بسبب جشعه وطمعه وحبّه الأعمى للمال الذي تحلم به أنت لمساعدة الناس.
لقد وصل الانسان الى مرحلة حصل فيها على كل شيء – مال، سلطة، علم، حضارة، تقنية، تاريخ، ايمان ... ثم فقد كل شيء وبسرعة متناهية".
" ماذا حصل؟"
" لتستوعب الاجابة اكثر سأدعك تعايش ما حصل...
وفي التو كان آدم وآصف يرتديان لباس الفراعنة ويمشيان في الشارع كأي مواطن فرعوني آخر!