لم يصدّق آدم ما تراه عيناه من زحمة سير في شوارع
المدينة.
سيارات تملأ الشوارع ومركبات تطير في الفضاء.
وتمتّد على جانبي الشارع مباني زجاجية عملاقة لا
توحي ابدا بأنه في عام 1300 قبل الميلاد.
لذلك وجّه سؤالا مباشرا الى آصف اذا ما كان الذي
يشاهده الآن هو من الاعمال السحرية أو تهيئات تؤثّر على خياله وعقله، أو يجوز أن
تكون هلوسة أو أنه ما زال يغطّ في نوم عميق ويحلم كل تلك الاحلام.
لكن آصف أكّد له أن ما يراه الآن هو حقيقي جدا
وأنّه يقف أمام قمة الحضارة التي كان ينعم بها سكان ذلك الزمان والتي كان الفراعنة
يعيشون ذروة أوجها.
وبكل هدوء راح آصف يشرح لآدم سر ما يراه: "
كما قلت سابقا فقد استخدموا الطاقة الشمسية لانتاج الطاقة الكهربائية التي
استخدموها لمركباتهم السيارة والفضائية.
لقد تمكّنوا من انتاج الطاقة أيضا من مصادر مختلفة
الى جانب الاشعة الشمسية، كالريح مثلا وأمواج البحر لانتاج الطاقة الكهرومائية كما
استغلّوا الفضلات النباتية والحيوانية لصنع الوقود والطاقة الحرارية.
لقد وفّر الله لهم الماء والهواء والريح والارض
فاستغلّوها جميعا لمآربهم العلمية.
صنعوا الطاقة الحرارية للتدفئة والتبريد والطهي،
وطوّروها لصناعة المحرّكات التي تعمل على الكهرباء والماء والمحركّات النفاثة
والمحركات الميكانيكية والكهرومائية، كما اخترعوا أجهزة ومعدّات الكترونية...
صنعوا كل شيء".
" ولكن كيف استطاعوا التوصل الى هذا الانجاز
العلمي؟ كيف استطاعوا أن يبنوا هذه الحضارة التي يبدو ان العلم هو أساسها؟"
ابتسم آصف ابتسامة العارف بالامور وقال: "
يجب ان يكون سؤالك كيف وصل الانسان الى أي شيء من المعرفة؟ أو كيف أتته تلك
المعرفة؟ أو من علّمه كل هذا؟.
عندما خلق الله هذا الكون ثم خلق الانسان والحيوان
والنبات وكل شيء حي، جعل لكل كائن حي طبيعة مختلفة. وخلق الغريزة في الانسان
والحيوان ثم خص الانسان بالعقل.
ولأنه خص الانسان بالعقل، جعله يصل بواسطة غريزته
وعقله الى حب المعرفة.
فوهبه بعضا من المعرفة، وأرسل له من يساعده على
تطوير هذه المعرفة على أسس علمية.
عندما ظهر الانسان على الارض كانت الملائكة تنزل
من السماء وتختلط بالبشر، تعلّمهم ما يجب ان يتعلّموه.
واختار الملائكة من بين هؤلاء البشر أشخاصا كانت
لهم مواهب معيّنة، كان الله قد جعلهم مميزين بأن أعطاهم بصيرة استثنائية بحيث
كانوا قادرين على رؤية ما لم يكن غيرهم من الناس رؤيته.
هؤلاء الناس كانوا رسلا وانبياء وعلماء ومخترعين
على قدرة عالية لالتقاط الاشارات العلمية التي تخوّلهم استغلال وتطوير الطاقات
الموجودة في الارض والجو والماء".
وقاطعه آدم قائلا: " ولكن كيف بدأ كل ذلك؟ من
كان أول انسان يكتشف كل تلك المعلومات؟".
" الحقيقة ان أول انسان يمكن أن تصفه بالعالِم،
هو النبي أخنون الذي تعرفه انت بإسم إدريس. كان هذا الرجل هو سر جميع العلوم.
علّمه الله بواسطة الملائكة كل العلوم من طب
وكيمياء وفيزياء وفلك، وهو بدوره علّمها لأشخاص كان الله يميّزهم ببصيرة مختلفة كي
يستوعبوا ويلتقفوا ما يتعلّموه ويطوّروه".
" ولكن ادريس نبي ورسول مهمّته نشر الايمان
على الارض. هكذا تعلّمنا من الكتب الدينية والتاريخية".
" صحيح. ولكن الا
تظن أن نشر العلم هو جزء من نشر الايمان على الارض.
الا تظن ان العلم الذي كان يعلّمه ادريس للناس
ويكتشفون بواسطته حياة أفضل من المفترض ان تقرّبهم اكثر الى الله، هو منتهى
الايمان.
أخبرتك منذ بعض الوقت ان الملائكة كانوا ينزلون من
السماء ويختلطون مع البشر، لذلك كان الايمان نوعا ما مسيطرا في ذلك الزمان. ولكن
الناس كانوا يفتقرون الى معلمّين يعلّمونهم كيف يعيشون على هذه الارض بشكل أفضل.
لقد علّم الله آدم كل المباديء العلمية، ثم بعث
ادريس ليطوّرها ويطبّقها ويسخّرها للناس ليستعملونها في حياتهم اليومية.
بدأ ادريس يمارس التعليم في وطنه العراق، فوضع
هناك اسسا ومباديء كانت نواة لما يسمّى قوانين العيش. فوضع المناهج التعليمية،
والانظمة لادارة المجتمعات والاوطان، التي طورها البالبليون فيما بعد.
ولأن الفراعنة كانوا قوما فتح الله بصيرتهم
وأهّلهم لاستيعاب المعلومات العلمية، ذهب ادريس اليهم وعلّمهم الطب والعلوم
والمعادلات الحسابية التي استطاعوا بها ان يبنوا اهراماتهم ويخزّنون فيها اسرار
تلك العلوم والمعادلات.
كانوا يسمّونه (هرمس الهرامسة) اي استاذ الاساتذة.
علّمهم ادريس كيف تكتمل الدورة المائية منذ خروج
بخار البحار وصعوده الى اجواء السماء وتحوّله الى أمطار تعود الى الارض.
وكيف انه خلال هذه الدورة تخلق أجواء السماء خصائص
اخرى مثل الريح والعواصف. وكيف ان كل هذا يتعامل مع الاشعة الشمسية لتبقي أجواء
الارض دافئة قابلة للحياة البشرية والحيوانية والنباتية.
وكيف ان النبات يحوّل الطاقة الشمسية الى طاقة
كيميائية ينتج عنها الثمار والاخشاب والفضلات التي تتحول بدورها الى وقود طبيعي.
عندما علّمهم ادريس كل هذا، استطاعوا أن يصنّعوا
المركبات التي تسير على الارض وتطير في السماء كما تراها انت الآن أمام
عينيك".
" هذا فعلا شيء مدهش ولكن يصعب تصديقه".
" بالطبع أنت لا تستطيع تصديقه لأنك تظن ان
كل تلك العلوم بدأت فقط قبل بضع مئات من السنين قبل ان ان تخلق.
أمّا انا فلا أستطيع ان أصدّق ان الانسان فقد كل
تلك العلوم بسبب جشعه وطمعه وحبّه الأعمى للمال الذي تحلم به أنت لمساعدة الناس.
لقد وصل الانسان الى مرحلة حصل فيها على كل شيء –
مال، سلطة، علم، حضارة، تقنية، تاريخ، ايمان ... ثم فقد كل شيء وبسرعة
متناهية".
" ماذا حصل؟"
" لتستوعب الاجابة اكثر سأدعك تعايش ما
حصل...
وفي التو كان آدم وآصف يرتديان لباس الفراعنة
ويمشيان في الشارع كأي مواطن فرعوني آخر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق