بدأ آدم يتفحّص القاعة من كل جوانبها.
أرض القاعة من مرمر أبيض يشتد لمعانه مع قوة
الانارة المتواجدة في القاعة.
سقف القاعة مصمّم باشكال وصور جميلة.
جدران القاعة من مرمر مرصّع بأحجار كريمة مختلفة
الاشكال والالوان، ولها نوافذ زجاجية برّاقة، منها ما هو مزخرف ومنها ما هو عادي
ولكن بلون غامق كأنه صنع خصّيصا ليخفّف من أشعة الشمس التي تخترق القاعة من عدة
نوافذ.
في وسط القاعة يوجد عامود اسطواني يصل الارض
بالسقف، وعليه رسومات مختلفة وتصاوير غريبة كلّها مخطوطة بخيوط ذهبية.
وفي آخر القاعة يجلس رجل وامرأة على أريكة كبيرة،
كلاهما يرتدي ملابس غير عادية.
" ما هذا الكلام ومن هم هؤلاء الاشخاص؟"
سأل آدم آصف بنبرة خافتة.
" أنت الآن في حضرة الفرعون الاعظم آمون،
الملك التاسع لمصر الفراعنة. أنه أغنى وأقوى شخص على وجه الارض في زمانه. والى
جانبه زوجته الملكة تايا.
نسيت أن أقول لك أنني وهبتك ميزة فهم وتكلّم اللغة
الهيروغليفية، إضافة الى عدد من لغات حضارات سوف نزورها خلال رحلاتنا هذه، كي
تستطيع ان تتابع كل ما يدور من نقاش دون الحاجة الى تفسير مني".
فتح آدم فمه معبّرا عن دهشة كبيرة ونظر حوله
ليتأكد من أن كل ما يجري هو حقيقة وليس خيالا. ثم نظر مجددا الى الرجل والمرأة،
ورجع قليلا في حركة تلقائية تعبّر عن خوف مفاجيء. " وهل يستطيعان
رؤيتنا؟". سأله آدم بإرباك شديد.
" لا ترتبك" أجابه آصف. " لا
يستطيع أحد ان يرانا او يسمعنا، الا اذا اردتُ انا ذلك. إهدأ ولا تخف"
" كيف تريدني أن أهدأ. سأموت رعباً. أليس
عندك شيء يستطيع ان يهديء روعي ويسكن خوفي؟"
" لا تهتم هذا شيء طبيعي سيزول عنك الخوف بعد
قليل". أجابه آصف ضاحكا.
" وكم من الوقت سيستغرق وجودنا هنا؟"
سأله آدم محاولا أن يستطلع وقتا للهروب.
" سنبقى هنا الى ان
نحقق ما نسعى اليه من أجوبة." أجابه آصف بجدية مطلقة.
" زوجته تبدو ضالعة معه في الامور" قال
آدم محاولا ان يظهر اهتماما.
" انها تايا. ملكة مصر العظيمة زوجة الفرعون
آمون وذراعه اليمنى.
هي أيضا مستشارته ووزيرته للسياسة الخارجية.
محبوبة الشعب وقراراتها لا تُرد.
هي خطيبة فصيحة وديبلوماسية ماهرة.
لقد بنى لها زوجها معبدا خاصا وحفر لها بحيرة
اصطناعية سمّاها بإسمها، عرفانا لها وتقديرا لجهودها العظيمة وانجازاتها
القيّمة".
" ولماذا نحن هنا؟" سأله آدم وكأنه لم
يسمع كلمة واحدة مما قاله له آصف.
ولكن قبل ان يبدأ آصف بالاجابة سمع الفرعون يسأل
زوجته: " أين ابنتنا أيزيس؟".
آدم: " ها.. لديهم ابنة".
تايا: " تنجز بعض الاعمال للمملكة وستحضر
فورا دون تأخير بين يدي الملك".
آمون: "هل صحيح أن ملك بابل يريد الزواج
منها؟"
تايا: " أنه يحلم بأن يناسب الفرعون
العظيم".
آمون: " طبعا. ولكن الملك لا يرغب في هذا
الزواج والنسب.
هل تحققت ما اذا كانت ابنتنا على علم بعرض الزواج
هذا؟".
تايا: " لا ليس لديها اية فكرة عن هذا الامر.
لدى ايزيس خططا أخرى لزواجها ستسر الملك العظيم،
وستجعل منها إلهة الامومة والخصوبة على مدى الاجيال".
آمون: " قدر إيزيس أن تكون إلهة الامومة
والخصوبة والسحر.
وستكون للشعب مثال الأم الحنون والزوجة الوفية.
وستدفق الرعاية الطيبة للطبيعة التي ستعطي من
خيراتها بركة من ايزيس".
تابع
آدم وآصف الحديق الجاري بين الملك وزوجته بكل اهتمامـ وبدا على آدم اهتمام اضافي يخالطه
شوق الى رؤية ايزيس التي قرأ اساطيرها، وها هو القدر يشاء ان يراها امامه واقعا!
تايا: "يعرف مولاي أن إيزيس خلقت لتكون صديقة
العبيد وشفيعة المذنبين وسندا لصعاليك الشوارع. فهي تستجيب لدعواتهم وصلواتهم. تماما
كما هي صديقة الاغنياء والفنانين والنبلاء والحكام والنساء العوانس وتستجيب
لدعواتهم وصلواتهم.
هي تريد الزواج من أوزيريس إله العالم الآخر
والعالم السفلي وتنجب منه حورس ليكون اله السماء".
آمون: " وايزيس ايضا هي الهة البساطة، وحامية
الموتى وملهمة الاطفال الذين منهم تبدأ البدايات".
هنا قال آصف لآدم: " عندما قتل اوزيريس على
يد "سات" اله الظلام والفوضى، الذي قطّع جسده ونثره قطعا في بقاع الارض،
عملت اوزيريس على تجميع اجزاء جسد زوجها وتركيبها واسترجاع الحياة له. لا بد انك
قرأت هذه الاسطورة؟"
أومأ آدم برأسه ايجاباً، وتابع آصف كلامه :" لعبت
هذه الاسطورة دورا مهما في حياة المصريين وباتت جزءا لا يتجزّأ من واقعهم وحياتهم
اليومية.
ومع الوقت أصبح المصريون يؤمنون بأن نهر النيل
يطوف كل عام بسبب الدموع التي كانت تذرفها على مقتل زوجها أوزيريس.
واسم ايزيس يعني (صاحبة التاج) لأن تاجها كان هو
نفسه خمار راسها.
وهي كانت صورة مهمة لسلطة الفرعون.
وكان أتباعها يملكون قدرات خاصة لشفاء المرضى
وتفسير الاحلام والسيطرة على الطقس.. وكانوا يمارسون تلك القدرات بواسطة تمشيط
وتجديل شعورهم. وكان المصريون يعتقدون أن ربطة الشعر لها تأثير سحري.. وكانوا
يعتقدون بربطة ايزيس او عقدة ايزيس او دم ايزيس.
وكانت هذه العقدة ترمز الى الحرف (أنخ) في اللغة
الهيروغليفية وتعني الحياة الخالدة أو العودة الى الحياة. لهذا كانت ايزيس ايضا الهة
التقمص".
لم يفقه آدم الكثير مما كان يقوله آصف، مما زاد من
ارتباكه لأنه لم يستطع أن يجد أية صلة بينه وبين ايزيس او تايا او آمون. ثم سمع
آمون يقول.
أمون: " حسن اذن. ابعثي برسالة الى ملك بابل
ترفض طلبه بشكل لائق ولطيف. سأترك هذا الامر للباقتك الموصوفة".
تايا: " سأعمل على ما يرضي ملكنا
العظيم".
آمون: " هل أنجزوا الترميمات في معبدي الكرنك
والاقصر؟".
تايا: "أجل وهم بانتظار الملك وبركته".
آمون: "ما زلت أشعر بألآم في الساقين. سأزور
المعبدين عمّا قريب.
أين ولدنا أخناتون؟ هل ما تزال نفرتيتي تشغله
عنا؟".
تايا: لا أحد يجرؤ على الانشغال عن الملك بأموره
الخاصة. انهما في الطريق الى هنا".
آمون: " ان طيبتك ومحبتك لولدنا أخناتون لا
يجب ان تبعدك عن الحقيقة ان أخناتون على وشك القيام بعمل طائش. هو لا يتقيّد
بالقوانين التي سنّها آباؤنا وأجدادنا".
تايا: " لا يهم مدى تحليقه نحو الافق، فهو لا
يزال على أرض الملك وفي سمائه".
آمون: " آه كم أحب فيك بلاغتك وسياستك
اللبقة.
لا عجب كيف تمتّعت المملكة بالامن والسلام وانت
وزيرتها للعلاقات الخارجية".
تايا: " هذا لأنني أعمل تحت قيادة الملك
وبتوجيهاته الحكيمة".
آمون: " أحيانا أهمّ بالتفكير أن كل ثروتي
وسلطتي لا شيء أمام دهائك وحنكتك".
تايا: " كل ما أعرفه علّمني اياه الفرعون
العظيم".
آمون: " من الحكمة تعليم نفرتيتي أيضا حتى لا
يضيع أخناتون. ويضيّع معه هذه المملكة العظيمة التي دفعت جدتي حاتشبسوت الكثير من
الغالي والنفيس من اجل بنائها على أسس قوية.
ووصلتها بطرق تجارية عالمية وأسّست بنيتها التحتية
تأسيسا متينا لتصبح من أحدث وأغنى الحضارات وأقواها على الاطلاق".
تايا: " ما زلت أقدّر لها فكرتها باستيراد
الاشجار وغرسها في أرض مصر".
آمون: " أجل. لقد كانت موهوبة. لقد مهدّت
الطريق لجدّي تحوتمس الثالث الذي وسّع الاراضي ومددّ الحدود".
تايا: " لقد كان قائدا عسكريا لامعا. ولكن
آمون أعظم لأنه استطاع أن يحافظ على المملكة وأن يجعلها أكثر تطورا، وأهم وأغنى من
ذي قبل وذلك بدون حروب او استعمال اية قوة عسكرية. فقط بالسلام والامن وبواسطة
العلم والتكنولوجيا.
لهذا السبب ازدهرت البلاد وانتعشت وأصبحت أغنى
البلاد على وجه الارض وأكثرها تقدّما وأكبرها حضارة وأعظمها قوة".
تمتم آدم بكلمات خافتة : " علم وتكنولوجيا؟
ماذا تقول هذه المرأة؟ وكيف تعرف عن التكنولوجيا في ذلك الزمان؟"
أشار له آصف أن يسكن ويُنصت
آمون: " لذلك أنا أخاف من أن يزول كل هذا.
فنفرتيتي لديها تأثير سحري على ولدنا أخناتون".
تايا: " نفرتيتي الهة جمال مشعّة".
آدم يكلّم نفسه : " آه ... سأرى نفرتيتي
ايضا! "
آمون: " وهذا ما يقلقني. هي أيضا طموحة ولها
تأثير قوي على الغير، وخاصة على أخناتون".
تايا: " أخناتون رجل ناضج وشديد وصلب
عنيد".
آمون: " وهو أيضا بسيط ويسهل استقطابه.
ما فائدة كل هذا الثراء وكل هذه السلطة اذا لم
تنتقل الى الاجيال".
تايا: " لقد بنى فرعون العظيم حضارة حديثة،
وقواعد بنيانها لا تقتصر على المال والسلطة وحدهما. أهم قواعد هذه الحضارة هي
العلم والتكنولوجيا وهما الذين يستطيعان ان يتطوّرا مع الزمن والى الابد.
المال يمكن أن يذهب كالغبار، ولكن العلم
والتكنولوجيا يبقيان الى الازل".
آمون: " تظنين ان العلم والتكنولوجيا
يستطيعان حماية الثروة".
تايا: " وحده الملك العظيم يعرف جواب هذا
السؤال".
آمون: " أجل. وأنا أعلم أيضا أن ولدنا أقرب
من اي وقت ليقترف خطرا يدمّر هذه المملكة ويزيلها من الوجود".
تايا: " لقد أقلقني كلام الملك. ما هي طبيعة
هذا الخطر؟".
آمون: "الدين".
ان أخناتون حريص على ادخال دين جديد الى تراثنا
ومعتقداتنا.
والكهنة لن يتقبلّوا هذا الامر، لأنه يهدد نفوذهم
وسلطتهم.
لن يقبل الكهنة بتغيير او حتى تبديل في الثقافة
الدينية وتطبيق شرائعها.
سيكون هذا أكبر تحدّي للمعتقدات التي أسسها
أجدادنا من آلاف السنين.
لن يقبل الكهنة ابدا اي تغيير وسيثورون على
أخناتون".
تايا: " ولكنهم سيستمعون الى الملك وسيطيعونه.
انهم مخلصون للملك والملكة".
آمون: " هذا صحيح. ولكن لا يغرب عن بالك انني
سأرحل قريبا عن هذا العالم. وسيرث أخناتون كل شيء. واذا ما أصرّ على تغيير
الديانة، فستكون مواجهة الكهنة أمر محتّم لا مفر منه".
تايا: " وهل تظن انه يبشّر لديانة
جديدة؟".
آمون: " بل انا متأكّد. ولقد نبّهته مرارا
عديدة ولكن دون جدوى.
لقد أراد جدّي كوفو ان تبنى حضارتنا هذه على العلم
وليس على أي شيء آخر.
لقد كان يعرف وقتها أن لا شيء يحفظ هذه الحضارة
غير اغنائها بالبرامج التعليمية، والاختراعات والاكتشافات العلمية".
عند هذه النقطة، التفت آصف الى صديقه آدم وسأله:
" هل تلاحظ أي شيء غريب ومميز في هذه القاعة؟".
آدم: " أجل. أنا أرى مصابيح كهربائية في
الجدران والسقف. وأشعر ان المكان مكيّف".
ثم تابع متهكّما "هل هذا صحيح. هل نحن حقا في
عصر قديم ام ان هذا المكان هو استوديو سينمائي ونحن نشاهد مشهدا تصويريا لفيلم
تاريخي".
ثم نظر ليرى شاشة بلازمية كبيرة أمام الملك آمون
" هل هذه شاشة بلازمية؟".
استوعب آصف تهكّم آدم، ورسم ابتسامة متواضعة على
وجهه " هل تظن ان التكنولجيا بدأت فقط في العصر الذي انت منه؟
تأكّد ان عصركم يلملم ما بدأه هؤلاء منذ آلاف
السنين.
أنتم فقط
تتذكّرون بواسكة أناس فتح الله بصائرهم، ورأوا ما كان هناك من علم في قديم الزمان،
وتجهدون للتطوير ولكنكم لا تزالون في المرحلة البدائية".
آدم مقاطعا ومعترضا: " ولكن التاريخ يروي لنا
ان تلك العصور كانت تعيش مراحل حياة بدائية".
آصف : " يبدو ان العكس هو الصحيح. لأن قدماء
المصريين كانوا أول من مارس العلوم التطبيقية. وفي الحقيقة ان كلمة (كيمياء) هي من
أصل كلمة (آلكمي) وهذه الكلمة تعني الاسم القديم لمصر.
ولقد أبدع المصريون أيضا في الطب والرياضيات.
أمّا تطويرهم للعلوم الهندسية والفلكية فلا يزال
أساسا مهمّا للعلوم الحديثة.
والفراعنة هم أول من أصدروا تقويم سنوي يعتمد على
365 يوما مقسّما من 12 شهرا كل شهر يتألف من 30 يوما زائد 5 أيام عطل.
هم أوّل من صنع الزجاج ولا تزال طريقتهم تعتمد في
عصركم.
إن الاضواء التي تشاهدها في هذه القاعة هي
كهربائية، كالكهرباء التي تستعملونها في عصركم.
لقد استخرجوا الكهرباء من الطاقة الشمسية،
واستعملوا هذه الطاقة في تقنيات أخرى التي سترى بعضا منها قريبا عندما نخرج من هذه
القاعة.
دعنا الآن نستمع الى ما يقوله الفرعون آمون".
آمون: " لقد بنى خوفو الهرم الكبير بدقة
علمية متناهية.
وفي هذا الهرم وضع للأجيال القادمة حيثيات
ومعادلات علمية يستطيعون البناء عليها لتطوير العلوم الفيزيائية والرياضية".
آدم يسأل بحشرية: " ما الذي يعنيه بكلامه
هذا".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق