اعتقد آدم انه ما زال يحلم عندما وجد شخصا غريبا
يقف الى جانب سريره، يحدّق به مبتسما وكأنّه ينتظره ليبدأ بالحديث أو بالصراخ.
قفز آدم من سريره وأخذ وضعية دفاعية قائلا: "
من أنت وكيف دخلت الى هنا وماذا تفعل في غرفة نومي".
كان آدم يرتعد ويتصبب عرقا لأنه كان متأكّدا أنه
سيبدأ معركة قتالية مع هذا الغريب المتواجد في غرفة نومه.
ابتسم الرجل ابتسامة لطيفة، وأشار لآدم أن يهدأ
قائلا له بلهجة ثقيلة : " صباح الخير. أنا آصف بن برخيا".
حافظ أدم على وضعيته الدفاعية: "آصف
من؟"
"آصف بن برخيا" قال الرجل موسعا من
البسمة على وجهه.
قال آدم وهو ما زال على ارتباكه وغير قادر على فهم
ما يدور حوله في غرفته: " آصف من؟ ما هذا؟ من أنت وماذا تريد؟"
وبهدوء سيطر على الغرفة قال آصف: " أنا آصف
بن برخيا، رفيق الملك سليمان المفضّل وخادمه المطيع. لقد جئت من أحلامك لآخذك عبر
الازمنة لأماكن في التاريخ لترى وتشاهد بنفسك معنى المال والثروة التي تحلم بها
وتتمناها".
وقبل أن يتمكن آدم من قول أي شيء، استمر آصف
قائلا:
" لا ترتعد، واطرد عنك كل مخاوفك، فأنا لست
هنا لأذيتّك. بل على العكس، فأنت ستكون بخير وأمان طالما أنا معك. سأكون مرشدك ومعلّمك
وصديقك. وسأجيب على كل الاسئلة التي ستخطر في بالك".
هدأ روع آدم قليلا. " ولكن كيف تعرف أحلامي؟
وكيف وصلت الى غرفة نومي؟".
" ألم أقل لك انني جئت من أحلامك؟ واعلم أيضا
انني أملك قدرات خارقة أستطيع بها أن آمر الارض، وأطوّع الوقت والازمنة، وأسيطر
على المخلوقات من انس وجن وحيوان ونبات.
أنا من نقل عرش ملكة سبأ من اليمن ووضعه بين يدي الملك
سليمان في القدس قبل ان يرتد اليه طرْف عينه. أنا من سخّر الجان والعفاريت ليخدمونه دون كلل أو ملل أو
تذمّر. فبنوا له القصور والقلاع والمعابد. وجلبوا له الكنوز من باطن الارض وأعماق
البحار. أنا الذي علّمه الله بواسطتي منطق
الوحوش والطيور".
قاطعه آدم قائلا ببرائة متناهية: " وهل تريد
أن تفعل هذا معي؟".
" بالطبع لا. أنت لست الملك سليمان، ولا يوجد
في هذا الكون أحد لا قبل سليمان ولا بعده، أن يحصل على شعرة بسيطة مما قدّر الله
لهذا النبيّ ان ينال من ملك عظيم وشأن مهيب.
ولكنني سآخذك في رحلات الى التاريخ لترى بعينيك
وتسمع بأذنيك من ملوك وعظماء في التاريخ.. كانوا من أغنى الأغنياء في زمانهم..
ماذا فعلوا وماذا نالوا وما حلّ بهم وبشعوبهم. ثم تقرّر بعد ذلك اذا ما كنت تريد
تحقيق أحلامك فأحقّقها لك على الفور".
" ولكن لماذا كل هذا؟" سأله آدم
مستغربا؟
" لأن الانسان حالم كبير،
ولكنه أيضا مخلوق طموح وفوق كل هذا متطلّب وعجول.
أنت تملك قلبا نبيلا ولك أحلاما بريئة. لذلك فأنا
أرى انه من الافضل ان تكون ملمّا بكل ظروف وتحديّات أحلامك وما يمكن ان يحصل اذا
ما تحققت.
وأفضل سبيل هو ان تتعلم من تجارب سابقة حصلت خلال
التاريخ مع كثير من الاغنياء وأشخاص كان لهم نفوذ غير عادي.
كل واحد منهم ترك علامة فارقة. منها علامات جيدّة
ومنها علامات سيئة ومنها علامات مدمّرة.
فهل تريد أن ترافقني في هذه الرحلات كي تشاهد
وتتعلم وبعدها تسألني كل ما تريد؟"
بقي آدم صامتا للحظة طويلة، بدأ خلالها يشعر بأن
هذه المحادثة تزيد من همومه وقلقه، وبدأ هذا القلق يبدو واضحا على محيّاه. "
هذا شيء مخيف... لا أظن انني اريد ان افعل ذلك..!"
قاطعه آصف قائلا: " لا تكن جبانا. يجب ان تقرّر
ما اذا كنت تريد أن تتحقّق أحلامك أم لا".
" وهل ستحقق أحلامي؟ أنا لست واثقا انني
أريدها أن تتحقّق. الواقع انني قرّرت ليلة أمس ان أهجر هذه الاحلام... الحقيقة هي
ليست أحلاما بقدر ما هي فقط تخيلات.
هذا شيئ مخيف فعلا. رحلات في التاريخ. لا أظن انني
استطيع أن أفعل هذا. لست مؤهلا ولا مستعدا. هل أنت جاد؟" سأله بطريقة تشكيكية.
" جرّبني" أجابه آصف متحديا.
وبلهجة متردّدة سأله آدم: " وكيف ستفعل...
كيف سنفعل ذلك؟"
أجابه آصف بكل ثبات وثقة: " لن تشعر بشيء على
الاطلاق... سوف تسافر معي من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان دون اي جهد أو عناء.
ليس عليك فعل أي شيء سوى الامساك بيدي.
على كل حال الامر يعود لك. أنا لا أغصبك على شيء.
أنت صاحب القرار".
نظر آدم الى الرجل الذي يقف في غرفته ويتحدث معه
حديثا عجيبا.
هو يقول انه جاء من أحلامه وله قدرات خارقة فلماذا
لا يوافق أقلّه كي يتيقّن من انّ كل هذا ليس وهماً او خيالاً او حلماً غريباً.
وفوق كل هذا هو يشعر برغبة شديدة لأن يلمس بنفسه كرامات هذا الرجل.
قطع آصف عليه حديث أفكاره: " أنا أعلم ان كل
هذا هو مفاجأة عظيمة لا تصدَّق وغير معقولة. ولكن كما قلت لك سابقا، أنا لا اريد
أذيّتك بل مساعدتك. وأنصحك أن تجرّب أقلّه كي تتأكد بأنك لست مستمرا في حلم غريب،
وأنني شخص حقيقي أقف هنا أمامك وفي غرفة نومك".
" أظن ان ما تقوله صحيح" قالها آدم بصوت
خافت.
وبدون أن يترك له أية فرصة ثانية للتفكير أخذه آصف
من يده قائلا: " حسن. فلنذهب اذن". وفي أقل من دقيقة وجد آدم نفسه يقف
في قاعة عظيمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق