لم
يعد آدم يدري نوع المشاعر التي كانت تعتريه وهو يمشي في شوارع المدينة. كان يعتريه
نوع من الرهبة والتعجب وعدم تصديق كل ما يجري والاحساس انه قطعا لا يحلم لان كل
شيء امامه يدل على انه في يقظة تامة.
لكن
الشيء الوحيد الذي كان يبعث الطمأنينة في قلبه هو وجود آصف.
أصبح
هذا الرجل زر الامان له. وصار وجوده حيويا بشكل لا يمكن وصفه. وكلما خطر ببال آدم
فرضية ان يفقد آصف او يضيّعه، يندي جبينه بعرق بارد ويتأبط ذراع آصف ويلتصق به. لا
يستطيع حتى التفكير في فرضية ان يضيع. فإن ضاع فهو لا يضيع في المكان فحسب انما في
الزمان ايضا.
وكأن
آصف شعر بما يدور في رأس آدم، فحاول ان يخففف عنه وينفخ فيه روح الامان فحثّه على
الاطمئنان وطلب منه ان لا يدع الخوف يتسلل الى قلبه، وأكّد له انه لن يدع أي مكروه
يصيبه طالما هو معه، وسيرده سالما الى مكانه وزمانه.
بدأت
الطمأنينة تسري في عروق آدم، وليبعد عنه افكار الهلع، راح يشغل نظره بالجول على
معالم الشارع الذي يمشون على رصيفه، وبالسيارات والمارة الذين يجوبون الشارع،
والسيارات المحلّقة في السماء، وتذكّر فجأة الفيلم السينمائي الاميركي "العنصر
الخامس" الذي تدور احداثه في المستقبل، والسيارات تسير وتطير ونظام السير في
الجو مثل نظام السير على الارض!
ابتسم
آدم لهذه المفارقة وعجب كيف ان القدر سمح له ان يعاين هذا المشهد في وضعٍ حقيقيٍ
خياليٍ بآنٍ معاً.
ووسط
ما يدور برأسه من أفكار وما تعاين عيناه من عجائب، فقد لبرهة قصيرة التركيز وكأن
الوجود كله غاب عنه ولم ينتبه الا عندما اصطدم بشخص وبطريقة عفوية وتلقائية اعتذر
منه.
وردّت
الفتاة الواقفة امامه باعتذار مماثل، ووقف آصف معاينا المشعد وكأنه يريد ان يعرف
ما الذي سيحصل بعد ذلك.
وقف
آدم مدهوشا امام الفتاة. فقد كانت خارقة الجمال وترتدي جلبابا أبيض اللون وتضع على
راسها خمارا احمرا لفّت عنقها بطرفه واسدلت الطرف الآخر على صدرها.
وكانت
الفتاة تحدّق بآدم ورفيقه وكأن التعجّب كان يراود فكرها في أمر الرجلين الذين بلا
شك يبدوان غريبين عن المدينة وربما عن مصر كلها.
ولكي
لا يطول تلعثم آدم ولا تعجّب الفتاة، تدخّل آصف لينقذ الموقف وبادر الفتاة قائلا :
"
اكرر الاعتذار عن صديقي الذي عقد جمالكِ لسانه، وانتهزها مناسبة لاسألك ان تدلّينا
على مطعم جيد في المدينة يمكننا ان نأكل فيه. فنحن غريبان وقد وصلنا لتونا".
قالت
الفتاة بكل أدب: " لا داعي للاعتذار يا سيدي. فالخطأ ممكن ان يكون مني".
ثم سألته ان كان يفضّل نوعا معينا من الطعام كي يسهل عليها انتقاء المطعم المناسب.
"
المهم ان يكون مطعما قريبا من هنا ... فقد جئنا من سفر طويل" قال آصف راسما
على وجهه ابتسامة عريضة.
بدأت
الفتاة بوصف الطريق لمطعم قريب يقع في الشارع لكن آصف قاطعها قائلا:
"
لما لا تُكملي معروفك وتوصيلينا الى ذلك المكان اذا كان لديك متسعا من الوقت"
نظرت
الفتاة الى آدم الذي لم ينته بعد من التحديق ثم رسمت ابتسامة رقيقة وقالت:
"
على كل حال انا كنت اريد تناول طعام الغذاء بعد ساعة من الآن في ذلك المطعم ولا مانع
لدي ان نذهب الآن وتكونا ضيفاي"
"
لا ... لا نريد ان نكلّفك ... ونحن عاجزين عن شكرك وملاقاة لطفك ... اسمحي ان يكون
لنا شرف دعوتك" اصر آصف
"
إذن دعونا نتوجه الى المطعم، وهناك نتقاتل على من يدفع الحساب" قالت الفتاة
بمرح ثم تابعت موجّهة الكلام الى آدم: " يبدو انني اذكرك بفتاة ما"
وضحكت
خجل
آدم وتفاجأ من جرأة الفتاة .. ثم ضحك آصف حتى يخلص آدم من تلعثمه .. وضحك الجميع
"
اسمي ساميا" ... وأنتما؟
"
أنا آصف ... وصديقي اسمه آدم ونحن من بلاد الشام وقد جئنا نستطلع امور التجارة
هنا"
"
آه كم انا محظوظة اليوم ... فأنا اعمل لدى والدي ... وهو لديه مؤسسة تجارية وقد
قال لي انه يريد ان يرسلني في رحلة عمل الى الشام كي استطلع امكانيات التبادل
التجاري بيننا"
"
عظيم عظيم" قال آصف .. "اذن يمكننا مناقشة هذا الموضوع اثناء
الطعام"
"
ما رأيك يا سيد آدم" سألته ساميا
"
موافق طبعا ان نبدأ بالطعام أولا" قال آدم ضاحكا وكاسراً بشكلٍ مباغت علامات
الدهشة التي كانت ما زالت مرسومة على وجهه" وضحك الجميع وتوجّهوا نحو المطعم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق