بدأت
النادلة بوضع اطباقا صغيرة متنوعة من اللحوم والخضار وفق طلب سامييا، التي لم تفتر
ابتسامتها اللطيفة ولم تنقطع عن التحديق بوجه آدم الذي كان يحاول جاهدا عدم النظر
اليها.
"
هذه الاطباق المتنوعة تذكرني بالمطاعم في بلادي" قال آدم وهو يتفحص بامعان كل
الاطباق المرصوصة على الطاولة امامه.
"
هذا صحيح لان صاحب المطعم من نواحي بلادكم من مدينة يطلقون عليها اسم "بعلبك" قالت سامييا وهي تشير
اليهما بالبدء بتناول الطعام " تفضلا بالهنا والشفا"
بدأ
كل منهم يضع ما يختار من الاطباق في طبقه.
نظر
آصف الى الفتاة وقال: " لن نستطيع شكرك مهما حاولنا" ثم ضحك قائلا
" انت انقذتينا من الموت جوعا"
"
كيف كانت رحلتكما من بلاد الشام وكم استغرقت من الوقت وعلى اية خطوط جوية
جئتما" سألتهما ساميي بكل شغف.
"
كانت رحلة سهلة في الحقيقة " أجاب آصف ثم تابع ضاحكا " لقد وصلنا بلمح
البصر"
لم
يتمكن آدم من منع سعاله بعد ان علقت لقمة الطعام في بلعومه، وناولته سامييا كوبا
من الماء ليشربه ويسهل عليه البلع.
"أشكرك"
قال آدم ملاطفا سامييا
"
أتعلم ان هذه هي الكلمة الثانية التي نطقت بها منذ تقابلنا" قالت سامييا
"
كيف هذا؟" أجاب آدم ثم تابع ضاحكا " لقد قلت أيضا: موافق طبعا ان نبدأ
بالطعام أولا"
ضحك
الجميع ونسيت سامييا سؤالها وبدت مهتمة اكثر بأدم فقالت له ملاطفة:
"
سمعت يا سيد آدم ان بلادكم خلابة وايضا نسائكم" ثم رمقته بنظرة عميقة وتابعت
" وها انا أعاين رجالكم ... فوسامتك باهرة .. اعذرني انا لا اقصد ان اتغزل بك
ولكن لم اقدر ان امنع نفسي عن اظهار اعجابي بوسامتك"
"
اشكرك سيدة سامييا على اطرائك وتأكدي اني انا ايضا اراك ساحرة الجمال .. اين منك
كليوباترا؟"
بدأ
آصف بالسعال بقصد تنبيه آدم
"
كليوباترا؟" تسائلت سامييا بدهشة
انتبه
آدم الى خطأه ... فكليوباترا لم تكن قد خلقت بعد في ذلك الزمان
"
وأي كليوباترا تعني؟" سألته سامييا بنبرة جادة
"
لا بد انك تقصد كليوباترا ابنة المجد الاغريقية ... هي حقا بارعة الجمال"
تدخل آصف لانقاذ آدم ثم التفت الى سامييا متابعا" الا ان آدم لم ينصفك يا
سيدتي ... لانك أجمل بكثير"
ابتسمت
سامييا للاطراء
"
طبعا هذا ما قصدته فعلا .. اين منها كليوباترا" قال آدم وقد بدأت علامات
الخجل على وجهه تفضحه
"
اخبرينا يا سيدتي عن عملك وما نوع التجارة التي يحترفها والدك" قال آصف مغيرا
ببراعة وجهة الحديث.
"
نحن يا سيدي نعمل في تجارة المواد الغذائية، كما اننا نستورد اصنافا عديدة من
البهارات من بلاد الهند والصين. ويريد والدي ان ادرس له امكانية تصدير منتجاتنا
الى بلاد الشام، واستيراد الاخشاب وانواعا من الخضار والفاكهة من هناك" قالت
سامييا بحماس
"
هذا جميل ونحن نستطيع مساعدتك واعطائك المعلومات الكافية كي تكوني على دراية كاملة
قبل سفرك وستكونين ايضا ضيفتنا هناك" قال أصف وهزّ آدم رأسه موافقا
"
أشكرك يا سيد آصف ... انما ما نوع التجارة التي تريدون ان تستعلموا عنها
هنا؟" سألته سامييا ببراءة ثم نظرت الى آدم وكأنها تتمنى ان يجيبها هو
وبكل
عفوية قال آدم انهما يريدان الاستعلام عن انواع الاجهزة الاكترونية والكهربائية.
ثم نظر الى آصف وكأنه يسأله اذا كان قد أخطأ بقوله
ابتسم
أصف قائلا: " انت تعلمين يا سيدتي ان بلادكم متقدمة علميا على بلادنا،
والازدهار الذي تنعمون به هو نتيجة التطور العلمي الذي تضاهون به بلاد العالم. ونحن
نريد ان نستطلع امكانية استيراد بعض من تلك الاجهزة ونريد ان نسأل اذا كان من
الممكن استخدامها في بلادنا"
"
مثل ماذا مثلا" سألته سامييا ثم تابعت " كي استطيع ان ارشدكما الى الجهة
التي تستطيع اعطائكم كل المعلومات اللازمة"
"
قبل ان نصل الى هذا الامر نريد ان نستطلع بأنفسنا عن طريقة استخدامكم تلك الاجهزة،
ونستخبر ميزاتها العملانية قبل ان نزعج احدا بأسئلتنا ... نحن نغامر بالدخول الى
سوق جديد جدا علينا" قال آصف محاولا التهرب من اعطاء اجابات محددة
ثم
سألها آدم " الحقيقة اننا لمحنا ان بعض الناس يستخدمون اجهزة لها شاشات
يتكلمون من خلالها ولم نفهم بالتحديد هذه الاجهزة"
أخرجت
سامييا جهازا صغيرا من حقيبتها وقرّبته من آدم قائلة: " تقصد هذا الجهاز؟ انه
جهاز نتواصل به ونسميه "اللاقط" ... وهو اختراع حديث يعمل على الطاقة
الشمسية ويلتقط عبر الاثير الموجات الصوتية والصورية وينقلها بين الناس. فمثلا
استطيع ان اتكلم من هنا مع ابي واسمعه ويسمعني واشاهده ويشاهدني عبر هذا
الجهاز"
تظاهر
آدم بالاعجاب وسألها " لقد سمعت عن هذا الجهاز من قبل الا انه لم يصل بلادنا
بعد... وكيف تتصلين بوالدك ... اعني كيف يحدد الجهاز انك تريدين التكلم مع
والدك؟"
"
الحقيقة انه جهاز جديد وانا لا املك تقنيته الكاملة بعد، ولا اعرف كيف استفيد من
كل ميزاته .. انا ايضا ما زلت مبتدأة وبراعتي في التكنولوجيا كبراعتي في التحدث
باللغة الصينية .. صفر" واطلقت ضحكة مميزة ضحك لها الضيفان.
ثم
تابعت تقول بعد ان التقطت انفاسها " يحتوي الجهاز على ذاكرة تخزين للمعلومات،
وهذه المعلومات تدار بواسطة شبكة تديرها شركة نطلق عليها اسم شبكة الاتصالات...
فأنا مثلا مشتركة لدى هذه الشركة وهي التي تنظم طريقة الاتصال من خلال هذا
اللاقط"
"
جميل جدا.. ولكن كيف تتحكم تلك الشركة بنقل موجات الصوة والصورة من مشترك الى
مشترك؟"
ضحكت
سامييا مرة اخرى وقالت " انبهك انه ليس لي خبرة كافية لاجيبك على سؤالك ..
لكن اظن بواسطة الاقمار الصناعية"
"
وما هي هذه الاقمار الصناعية"
سألها آدم بحشرية متناهية
"
أنت غير معقول لا آدم" قالت ممازخة وبشيء من الدلع .. " انت تريد ان
تحرجني .. لكن ساجيبك قدر الامكان .. انها مراكز معلومات مزروعة في الفضاء، وكل
مركز له اختصاص معين ... هذا كل ما اعلمه عن وظيفة تلك الاقمار... وإياك ان تسأل
سؤالا آخر عن هذا الحهاز" قالت وهي تضحك ثم نظرت اليه بإغراء وقالت "
بجد".
ضحك
آدم معتذراً " الحقيقة اننا نريد ان نستطلع اذا كان بامكاننا استعمال هذا
الجهاز مثلا كما غيره من الاجهزة المتطورة لديكم في بلادنا" قال آدم وهو يظهر
براعة كاملة في ابداء جهله بالجهاز .. براعة ادهشت آصف نفسه.
"سأقوم
ببعض الاتصالات واحاول ان اجمعكما بمن يستطيع افادتكما بهذا الشأن"
في
تلك الاثناء اطلق الجهاز الصغير الذي تحمله سامييا بعض الاصوات الخافتة، فلمست
مكانا معينا على الجهاز ثم راحت تتحدث مع المتصل:
"
اهلا ابي، لا لم اذهب الى الموعد المقرر لقد طلبت تأجيله للغد وأنا الآن اتناول
طعام الغداء مع ضيفين كريمين من بلاد الشام، وهما تاجران اتيا لدراسة امكانية
التبادل التجاري بين بلدينا"
أنصتت
قليلا ثم تابعت:
"
لا هما مهتمين بتجارة الاجهزة التقنية، ولكن لديهما معلومات وافية عن باقي انواع
التجارة واظن اننا سنستفيد من خبرتهما ومعلوماتهما"
"بالطبع
سأدعوهما لمقابلتك"
"ماذا
على العشاء اليم في المنزل؟ لحظة اسألهما"
ثم
وجهت الحديث الى آصف وآدم
"
والدي يريد التشرف بدعوتكما على العشاء في منزلنا المتواضع هذا المساء"
ثم
نظرت الى آدم: "ارجو الموافقة
أومأ
الاثنان بالايجاب
"
حسنا يا ابي سأصحبهما هاذ المساء الى المنزل"
انهت
سامييا المكالمة مع والدها ثم وجّهت الكلام لضيفيها:
"
اشعر اليوم بغبطة وسعادة متناهية وكأن السماء راضية عني فقد حظيت بمن يستطيع تسهيل
مهمة عملي ...." ثم نظرت الى آدم
وتابعت " وربما مستقبلي كله"
ظهر
على آدم الارتباك حيث فهم تماما ما تعنيه الفتاة واحس بما تشعر به تجاهه، لانه
يشعر بنفس الشعور تجاهها ... وهو يعلم تماما انه بالرغم من عدم امكانية حصول اي
منهما على مبتغاه من الآخر، فإنه سعيد بهذا الشعور ولا يستطيع ابعاده وعدم التفكير
به، بل اكثر من هذا فهو لا يستطيع منع نفسه عن التقرب اكثر من هذه الفتاة!
وكأن
آصف احس بما يفكر به آدم، فابتسم ابتسامة باهتة ثم التفت الى سامييا
"
نحن يا سيدتي نشكر الصدفة التي جمعتنا وفخورن جدا بمعرفتم ولنا كل الشرف ان نلتقي
بوالدك"
"
اذن ما تريدان ان نفعل حتى يحين موعد العشاء؟" سألت سامييا ببراءة متناهية
وحماس شديد.
فاجأ
السؤال كل من آدم وآصف فهما لم يدر بخلدهما انهما سيمضيان بقية بعد الظهر مع
سامييا
"
لا نريد ان نلهيكي عن عملك، نستطيع ان نلتقي مرة ثانية وقت العشاء" قال آصف
معتذرا
"
ومن قال انكما لستما من صميم عملي" أجابته سامييا ثم تابعت ضاحكة" كانت
السماء في عونكما فقد فرضتني عليكما ولن تخلصا مني بهذه السهولة"
ضحك
الجميع من جملتها الاخيرة ثم علّق آدم قائلا:
"
الحقيقة يا سيدتي كانت السماء في عونك انتِ، اما بالنسبة لنا فكم يسعدنا ان نكون
برفقتك"
"
حقا؟ اتقول هذا الكلام من قلبك؟" سألته بإغراء شديد
"
طبعا من كل قلبه.. وقلبي ايضا" تدخل آصف ضاحكا ومتابعا" كم اكرمتنا
السماء بكِ اليوم"
"
اذن طالما الامر كرماً بكرم ... اسمحا لي ان ادفع حساب الغداء ولنغادر المكان
وسآخذكما في جولة على معالم المدينة"
لم
تنتظر سامييا جواب الرجلين بل سارعن لدفع الحساب ثم اتت لتتابط ذراع كل منهما
قائلة:
"
والآن هيا بنا لتجول في ممفيس"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق